السندس للنشر
كانت الغرفة لطيفة ، في أعلى البيت ، تشرف على البحر ، وكان القمر قد أرسل ضياءه الباهر فوق صفحته ، وأذكر أنني بعد أن فرغت من صلاتي ودعواتي ، وانطفأت الشمعة ، لبثت أنظر إلى ضياء القمر الممتد فوق اليم ، كأنما أرجو أن أقرأ مصيري فيه كما يقرأ المرء في كتاب مصقول الصفحات ، وأن... أبصر أمي بوليدها قادمة من السماء على هدى هذا الطريق الساطع المشع لتشرق كما أشرقت آخر مرة حين رأيت وجهها الجميل ، بل أذكر كيف انتقل بي ذلك الإحساس الرهيب الذي تولاني في النهاية حين أشحت بوجهي عن مشهد القمر البازغ ، إلى الشعور بالشكر والعرفان والسكينة التي بعثها في نفسي ذلك السرير المحاط بالكلة البيضاء والأستار الناصعة ، وما أوحاه الرقاد على فراشه الوثير والإستكنان تحت أغطيته البيض ، وكيف مضيت أتمثل جميع الأماكن المهجورة الموحشة التي كنت أنام فيها تحت القبة الزرقاء إذا جن الليل ، وكيف دعوت الله تعالى أن لا أعود مرة أخرى فأجدني لا مأوى لي ، ولا بيت ، وأن لا أنسى في يوم من الأيام الشرد الهيم الذين لا مأوى لهم ، بل لا أزال أذكر كيف عندئذ أنني رحت أسبح وأطفو فوق ذلك الضياء الحزين الباهر الممتد فوق البحر ، منه عالم الأحلام.
3.500 ر.ع
الكمية المتبقية في المخزون:
* تتوقف خدمة التوصيل في الإجازات الوطنية والدينية مثل عيد الفطر وعيد الأضحى.